٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

معاناة القضية الكوردية في أروقة الاعلام العربي

المصدر: KDP.info

آريان ابراهيم شوكت

معلوم أن التاريخ دائما عرضة للجدل والتساؤل والتحليل وعلى هذا الاساس فقد عرف عن الشعب الكوردي ورموزه التاريخية سعيهم الثابت والمُؤثل الى بذل جهود حثيثة للاقتراب والانفتاح على المحيطين العربي والغربي سياسيا ودبلوماسيا وثقافيا واجتماعيا ولا أحد ينسى في هذا المجال التحركات الدبلوماسية للزعيم الكوردي التاريخي( مصطفى البارزاني ) وبذله جهودا مضيئة للتقرب من الاخوة العرب والعشائر العربية وتوطيد العلاقات مع الرؤساء والزعماء العرب خاصة عندما قام (بارزاني) بزيارة تأريخية الى القاهرة عام ١٩٥٨ والتقى بالزعيم العربي الراحل ( جمال عبد الناصر ) ...والجميع يعلم أن الاهتمام بالشعب الكوردي هو اهتمام بالعراق كله لانهم جزء مهم من تركيبة النسيج العراقي المتعدد القوميات المختلف عن باقي البلدان العربية من حيث التركيبة الاجتماعية التي يتمتعون بها...
ونحن اذ نمر اليوم بهول السنين العصيبة التي تمر على الشعب العراقي بعربه وكورده وباقي العراقيين المنتمين للاعراق والقوميات المتعددة نقول على الاخوة العرب في سائر الاقطار العربية ان لايكتفوا فقط بالنحيب والتقزم السياسي تجاه المشهد العراقي الحالي، بل عليهم الوقوف اكثر مع معاناة شعبهم في العراق واثبات عذريتهم السياسية وايجاد طرق جديدة لحل مشاكل المنطقة وبالذات ترتيب البيت العراقي.
ومن وجهة نظرنا فان بعض أروقة ومنابر الاعلام العربي في ظرفنا الراهن لم يهتموا بالقضية الكوردية حق الاهتمام، بل اكتفوا بنقل الاخبار الهامشية والسطحية عن معاناة الكورد الموزعين في البلدان الاربعة وقد أصاب هذا الموقف الكورد بالاحباط في كثير من الاحيان، فلا يوجد من اعلاميي الاخوة العرب الا قلة قليلة ممن آثروا وتأثروا وسعوا جاهدين الى اظهار حقيقة الشعب الكوردي كما هي للعالم العربي والغربي ( مواقف موجعة لكنها غير مميتة ).. مع هذا: أن تصلوا متأخرين خير من ان لاتصلوا أبدا ؟؟.
اليوم وقد وصل اقليم كوردستان الي مرحلة حرية التعبير والكلام والتخلص من دور الضحية المثالية والتوجه نحو القضايا الساخنة والاكثر اثارة في سيناريوهات بناء العراق الجديد، فاذا قسنا هذه الرؤيا بمقياس انساني عادل فانها رؤيا مشروعة ومطلب طبيعي فمن حق الشعب الكوردي ومن حق الشعب الفلسطيني أيضا ومن حق اي مجموعة عرقية متجانسة ان يكون لها كيانها واستقلالها وحريتها في تقرير مصيرها وصنع مستقبلها..
لكن هذه المسألة المصيرية وبكل اسف عندما تطرح على بساط البحث والواقع تبدو أعقد من هذا التبسيط بكثير، مع هذا فان الظرف التاريخي والمعطيات الدولية في الوقت الراهن وفي المنظور القريب قد يساعد كورد العراق على تحقيق رؤاهم بقرب المنال وقد يكون مؤجلا الى عقود طويلة وهذا مرهون بمفاجئات الايام الحبلى. 
وعلى الرغم من ذلك فان القيادة الكوردية في اقليم كوردستان العراق تقمصت صيغة من صيغ التعايش السلمي مع المكونات العراقية الاخرى وفي اطار الدولة العراقية الواحدة مع الاخذ بنظر الاعتبار ان تاريخ وجغرافيا اقليم كوردستان يفرضان مقتضياتهما وبامكان الدول العربية الشقيقة التعامل معها وقبولها فلا احد يستطيع تغيير الفسيفساء العرقي والطائفي المكون للمجتمع العراقي... فاقليم كوردستان العراق لايمكن ان يكون عراقيا و عربيا في آن واحد، وهذا ما اقره مواد الدستور العراقي الجديد بعد عام ٢٠٠٣ بقوله: ان الشعب العربي في العراق( فقط) جزء من الامة العربية .. ورغم محاولة حزب البعث المنحل التوفيق بين الهويتين العراقية والعربية لكن ( بحلول لفظية فقط ) وحتى اذا أقنعنا أنفسنا بعدم التعارض بين الهويات والانتماءات القومية في العراق فان جيراننا من الاشقاء العرب والدول الاخرى لايبدوا عليهم الاقتناع بامكانية هذا التوفيق والازدواج والاندماج؟ ....ان الانتصار في معركة البناء والاعمار التي يشهدها اقليم كوردستان مستمرة وهي أطول امدا من الحروب التي جعلت التجارب المرة في الماضي شعارها ( يوم لك ويوم عليك ) فقد عاش الكورد معاناة صعبة جدا كانت أقساها في فترة تولي الرئيس العراقي الاسبق صدام حسين مقاليد السلطة في العراق. ان المطالب السياسية الكوردية التي طالبت بها القيادات الكوردية في أروقة عراق اليوم كمسالة الفدرالية وصلاحيات الاقليم داخل العراق وتوظيف السياسة الخارجية للاقليم كلها امور تناقش ونوقشت داخل مؤسسات الدولة الواحدة في حين يتسابق غيرهم من احزاب عراقية على تذويب الدولة في توجهات حزبية ضيقة واقتسام مؤسساتها وكانها ( غنائم حرب ) وذلك في غفلة كبيرة عن التداعيات الوخيمة التي تترتب عن هذا الاحتقان السياسي مستقبلا.
ان للمسألة الكوردية في العراق أبعاد وجذور عميقة منها تاريخية ومنها اجتماعية وسياسية ذات اتصال وتناغم مع ماكنة الرقابة السياسية في العالم الحساسة جدا تجاه اي تحرك دولي خاصة في منطقة الشرق الاوسط، ونتيجة لتجارب وتراكم خبرات الماضي فقد أصبح اليوم الملف الكوردي في الشرق الاوسط ملفا ساخنا على الصعيدين الاقليمي والدولي، ولكي لايذهب تضحيات الماضي هباء منثورا فقد تبنت القيادة الكوردية ستراتيجية بعيدة الامد ورؤية مستقبلية متكاملة لتحديد البدائل وتقييمها والتنبؤ بالنتائج المتوقعة واختيار أفضل القنوات الدبلوماسية واختيار الغايات المنشودة في اطار الامكانيات الحالية ومواجهة الاحتمالات المنتظرة بمعنى ( التفكير قبل الاداء والاداء في ضوء الحقائق الملموسة).. ويعد هذا الانفتاح الكوردي والاستراتيجية المتبعة تفهما بناء مرنا لاحتواء المشهد العراقي فقد كانت اربيل عاصمة اقليم كوردستان دائما مركزا قويا لاستقطاب الاطراف العراقية المتصارعة وجمعهم على طاولة الحوار الاخوي تاكيدا لمبدأ انسجام القيم وتلاحم اللحمة العراقية وتدعيم قوى الاعتدال العراقي وحلحلة الصراعات الاثنية والطائفية ووضع اجندة متكافئة للاصلاح السياسي بين اقطاب الكتل الفائزة في الانتخابات الاخيرة لتحديد ما يمكن القيام به في الفترة اللاحقة.... ورغم ماتناغمت عليها الحكومات العراقية المتعاقبة مابعد 2003 من تعطيل بعض بنود الدستور العراقي كقانون النفط والغاز والمادة المتعلقة بمدينة كركوك والمناطق المحيطة بها لعودة المناطق المستقطعة الى أحضان الاقليم الكوردي استنادا على الوثائق التاريخية الموثوقة كاحصاء عام 1957 في كركوك بحيث سجل الوجود الكوردي اكثرية ساحقة في كركوك بجانب وجود القوميات الاخرى كالعرب والتركمان والاشوريين..

واخيرا نقول: أن الزيارات المكوكية الدولية الناجحة لكل من رئيس اقليم كوردستان نێچيرڤان بارزاني ورئيس وزراء حكومة كوردستان مسرور بارزاني ربما قد يفسره البعض ( قصدا ولتشتيت الهدف ؟؟ ) أن هذه التحركات الكوردية الرسمية الاخيرة على مختلف المستويات والاصعدة الدولية لجوء دبلوماسي ( معناه الضعف !!) في حين يجب القول والاعتراف بان جميع ملفات الشرق الاوسط بما فيها الملف الكوردي الحساس جدا في حاجة كبيرة لقدر كبير من الحنكة و الدبلوماسية كما نراها الان كفن من فنون ادارة قواعد اللعبة السياسية. لهذا فكل مايفرض في العراق الجديد بعكس ارادة وتوجهات الشعب الكوردي يعتبر ( مولودا سياسيا مشوها في صيرورته ومسيرته التاريخية ) ولايرتقي الى مستوى لحظات التحول أبدا.

 

 

أخبار ذات صلة