سيكولوجيا الجماهير الكوردية في مخيلة رجالات الدولة العراقية

آريان ابراهيم شوكت
مئة عام مضى على تأسيس الدولة العراقية الحالية. مئة سنة من الهم والغم لم تحمل في طياتها واحداثها الحزينة الدامية للشعب الكوردي غير العزلة والحيرة والتهجير وعمليات الانفال والاسلحة الكيمياوية وابادة آلاف القرى والالتباس السياسي واصدار البيانات الحماسية وفقاعات الوعود الكاذبة على ألسنة المفاوضين كبلاغة لغوية؟ والدولة العراقية لم تزل ماضية في تعنتها واصرارها وعدم انتهاج طريق الاصلاح والمصالحة والبناء تحت سقف واحد وفي دولة واحدة ولحمة واحدة والبحث بكل جد عن الحلول الجذرية والواقعية لحل هذه القضية الوطنية المتداخلة التي أصبحت عصية للحل دون مبرر معقول في أروقة السياسة العراقية وداخل النسيج العراقي بين أبناء البلد الواحد وعدم الجلوس على طاولة مستديرة بنية صافية بعيدا عن الاجندات الاقليمية والخارجية ومنطق التهديد والوعيد وابراز صورة السلطة دائما في بغداد كأنها فقط آلة لممارسة القوة والجبروت ضد أبناء شعبه في أبهى حلة لهم ؟ بحيث على المطالب الكوردية شاءت أم أبت حتى ولو كانت مشروعة وتمثل ارادة شعب مقهور تواق الى الحرية والعيش بسلام عليها ان ترضخ و أن تخصع لقوة المركز وارادة الساسة في عاصمة الرشيد، وفي كل مرة وعصر تحت ذريعة معينة؟ مرة بذريعة حماية الدستور وفرض القانون ومرة بحجة ضرورة عودة السلطة المركزية الى ربوع الوطن ومرة باتهام الشعب الكوردي بالطواطؤ مع الاجنبي واخرى باسم القضاء على حركة التمرد في شمال الوطن!! مع الاسف وكلها أمثلة مهزوزة لموالات واحداث المئة سنة الماضية؟؟ الكوردي دائما في دائرة الخطر وأمامه عبارة: لاصوت يعلو فوق صوت المعركة؟!! كنمط للتعامل مع شعب كوردستان هذا الجزء العزيز من جسد العراق الجريح بسبب جهل ساسته المتعطشين الى لغة العنف والدم فقط بدل الحوار الاخوي المستقيم( باستثناء النخب الوطنية ). ملامح الفشل في ادارة أمور البلاد على مدى قرن كامل ودون مراعاة التكوين العرقي والارث التاريخي والاجتماعي والجغرافي للشعب الكوردي المغدور؟
قتل إمريء في الغابة جريمة لاتغتفر
وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر ؟
كما رأينا في صفحات العهد الملكي ثم الجمهوري ومرورا بأنظمتها السياسية المتعاقبة التي جاؤوا عن طريق الانقلابات والمؤامرات والبيانات العسكرية والقطارات الانكلو غربية؟ كما ترويها لنا مذكرات القادة الذين شاركوا في رسم هول الاحداث الماضية التي صعقت العراقيين ودمرت حياتهم وأذاقتهم الامرَّين بكل تناقضاتها سياسيا وفكريا ونفسيا وقوميا وآيديولوجيا وما أسفر عن ذلك من صراع دموي وسياسي مرير بين أركان الدولة العراقية ومطالب الشعب الكوردي في هذه البقعة الجميلة من أرض العراق . نزاع طال أمده بين السلطة المركزية والاحزاب الكوردية بحيث أحرقت هذه الخلافات وهذا الواقع المؤسف بكل تفاصيله المؤلمة الاخضر واليابس وأحدث معاناة وشرخا كبيرا في نفوس المواطنين الكورد بسبب هول ماجرى وما ارتكب من تجاوزات. جروح لم يندمل ولايمكن تجاوزها بسهولة وإن تراكمت الشعارات الطنانة والخطب الرنانة لاستمالة قلوب الكورد كما حدث سابقا ويحدث حاليا وبكل أسف؟ مع هذا لم تمارس القيادات الكوردية تصرفا سياسيا مشينا بسبب ماجرى وما يجري في عراق هذه الايام من تنفيس للأحقاد الى اختراق خارجي لداخلهم وتوظيفها في الاستقطاب الاقليمي لانهم ( أي الشعب الكوردي)لم و لايسعون أبدا الى قطع اوصال بلدهم العراق كما أكد على ذلك دائما الزعيم والسياسي الكوردي المخضرم مسعود بارزاني بقوله ( بغداد تبقى عاصمتنا ونحن شركاء واخوة في هذا الوطن) وكانت كوردستان ولاتزال ملاذا آمنا للكثير من العراقيين العرب الهاربين من بطش الارهاب ورعب الفتنة الطائفية.. إنّ الصراع من أجل القوّة ظاهرة شاملة زماناً ومكاناً، وإنّ التجارب الطويلة على مدى التأريخ أثبتت هذه الحقيقة... يقول موسوليني (التأريخ من احسن الاساتذة لكن طلابه من أسوأ التلاميذ ) ... وليس ثمة مَن يستطيع أن ينكر أن جميع الدول على إختلاف أوضاعها الإجتماعية والإقتصادية والسياسية قد التقت في جميع الأزمنة والأماكن على الصراع من أجل القوة.. إن المسألة القومية والمطالب القومية ظاهرة تاريخية صحية تمتلك سيرورتها وصيرورتها التاريخية الممتدة سياسيا في شتى الاشكال وبالتالي فان كل حدث له بداياته ومساراته التي تحدد بشكل أو بآخر آفاق ومديات التطور المرحلي وفق المجريات المرئية . أن مصير الشعوب في المرحلة القادمة سيكون رهينا بالتغير الذي يطرأ على مقدرات القوة في المنطقة، لذا حاولت بعض الدول معالجة الاعتراف بالحقوق القومية المشروعة لكافة الاجناس والاطياف بطريقة تحاول قدرالمستطاع أن تخفف من تداعياتها و سلبياتها وان تحد من آثارها المؤذية للسلام والأمن الداخلي في حالة انكار هذه الحقوق. والذي يخصنا هنا المسألة القومية الكوردية في العراق كظاهرة تاريخية مرتبطة بالواقع بكل تناقضاته وصراعاته. وبالتالي فإن النضال من أجل رفع الغبن القومي عن الشعب الكوردي من أجل التحرر والمساواة في الحقوق الواجبات، يواجه تعنتا غير شرعي وراءها ترسانة من القوانين والأفكار المتعلقة باجندات الدول الاقليمية التي تحاصر العراق وتتحسس جدا أمام النجاحات الكوردية في المنطقة وبالاخص في اقليم كوردستان العراق لكن ووفق هذه الأسس ينبغي تجنب الإرادوية أو الرغبة الذاتية في اختيار الشعارات حول مسألة تتعلق بمصير الملايين من البشر. فالإمتداد التاريخي للمسألة الكوردية وتطورها الراهن يحتمان طرح الحلول طرحاً يراعي فن الممكن وتوازن القوى، بحيث يمكن أخذ حقوق أساسية ضمن إطار مساواتي، دون إثارة حفيظة الآخرين. ويجري هذا الأمر في إطار توازنات داخلية وإقليمية ودولية. لذا وكحراك دبلوماسي نشط قامت حكومة اقليم كوردستان بتوسيع ساحات نشاطها الدبلوماسي عن طريق مهادنة بعض الاطراف العراقية وتخفيف اجرءاتها تجاه البعض الاخر مع المحافظة على صداقة الدول الاقليمية والعربية خاصة التي تتبنى في سياساتها الخارجية استراتيجيات ثابتة في رؤيتها للعالم كالمملكة العربية السعودية.




