الصحافة الكوردية بين الأمس واليوم

غزالة خليل
حين نتحدث عن الصحافة، فنحن نتحدث عن المرآة العاكسه لقضايا المجتمع وتطلعات الفرد، حيث تلعب الصحافة دورا هاما وحيويا في تكوين و بلورة وعي الفرد وبناء المجتمع وتكوين الرأي العام، الصحافة حالة جدا مهمة في حياة المجتمعات المتحضرة، لما للصحافة دور كبير و مؤثر في عملية التواصل الاجتماعي و بالتالي في توصيل المعلومة و ارسال الرسالة و ارشاد المجتمع و التعبير عن آماله و مشاريعه و بالتالي التاثير على مراكز صنع القرار السياسي و الأجتماعي، و خاصة هنا نحن نتحدث عن الصحافة الحرة والبعيدة عن تدخل الأجهزة الرقابية للدولة و تأثيرات رجالات السلطة، حيث في غياب الصحافة و خاصة الحرة منها ستكون هناك حالة انعدام المعلومة و المصداقية، حيث أن الصحافة الحرة قدمت وتقدم للقارئ كما هائلا من المعلومات و بذلك يكون الفرد على دراية تامة بمجريات الامور و لا يمكن بناء انسان وشعب حر بدون صحافة حرة و ملتزمة، صحافة تحاسب و تراقب و تدقق و هذا الشئ يحتاجه المجتمع و هو من ضروريات بناء مجتمع قوي و مستقر. على مدى اكثر من قرنين استطاعت الصحافة ان تثبت فعاليتها في احداث تغيير بنيوي كبير في بنى الحياة السياسية و المجتمعية الى درجة الان يقال بان الاعلام و الصحافة هما السلطة الاولى وليست السلطة الرابعة، وقد جاء ذلك نتيجة لعوامل عديدة منها ظهور التكنولوجيا و سرعة وصول المعلومة و زوال عصر هيمنة الرقيب و كذلك أزدياد نسبة المتعلمين و اهتمام الفرد بما يحدث حوله من المتغيرات، كل ذلك اضافة الى عوامل اخرى، أدى الى زيادة تأثير الصحافة الورقية منها والألكترونية وغدت مركزا بارزا من مراكز صنع القرار. استطاعت الصحافة الاستفادة من الأنجازات العلمية و التكنولوجية و بفضل ذلك، غدت اليوم في تواصل يومي مستمر مع كافة الشرائح الاجتماعية و بالتالي أستطاعت ان تؤثر اكثر و اكثر على عملية تكوين الراي العام، و غدت المؤسسة الصحفية من المؤسسات الرقابية الهامة في عملية ارساء الاسس الديموقراطية، خاصة حين تكون الصحافة حرة و يكون الصحفي و الكاتب حر في ان يعبر عن رأيه بشان الأمور التي تهم المجتمع وحياة و متطلبات الحياة الحرة و الكريمة للافراد، و بالتالي نستطيع القول بأن أي مجتمع حديث و منطلق بحاجة الى مؤسسة صحافية حرة و نزيهة و التاريخ يثبت بأنه أذا ما انهار اسس الصحافة الحرة و الملتزمة بالشأن العام فإن كل النشاطات السياسية و الإقتصادية ستجري في الظلام و ستكون هناك مضاعفات فكرية خطيرة و سيكون هناك حالة من الفساد والفوضى، لأن غياب الصحافة معناه غياب الرقيب و الرادع. أذن عملية وجود الصحافة في كل المجتمعات عملية وجودية و مصيرية و ضرورة من ضروريات الحياة، و قد يكون هناك اختلافات بين النخبة المتنورة في المجتمع الكوردستاني، و منذ اكثر من قرن ونصف كانت ترى بأنه من الضروري أن يكون للكورد، ولقضيتهم لسان حال، هذه النخبة ادركت اهمية الأعلام والصحافة و شأنه شان جميع المجتمعات الاخرى، أدرك بأنهم بحاجة ماسة الى وجود مؤسسة صحفية، تستطيع أن تلعب دورا مهما في نقل الحقائق و ما يجري من احداث الى الرأي العام و يالتالي تستطيع ان تبلور وعيا قوميا و وطنيا في عقل و وجدان الأنسان الكوردي. و حين صدر العدد الأول لاول جريدة كوردية في نيسان عام 1898، اعتبر ذلك انجازا قوميا كبيرا و تدشينا لمرحلة أخرى أكثر انفتاحا في حياة المجتمع الكوردستاني و ذلك لما يحمله من دلالات عميقة وقد استقبلت النخبة الثقافية والسياسية الكوردية ذلك الانجاز بفخر و اعتزاز كبيرين و أعتقد ان هذا الانجاز يعتبر انعطافة و هزة كبيرة في حياة المجتمع الكوردستاني، و حين بدأت الصحافة الكوردية بالطباعة والصدور في الكواليس كانت تحظى بالكثير من الاحترام والمصداقية في اوساط شعبية وثقافية واسعة وكان الناس تنتظرون صدور الجريدة بلهف وشوق شديدين ويقبلون على قراءتها من الالف الى الياء ويساهمون في تقييم ما فيها من المقالات والأفكار، حيث الصحافة حسب توجهات الرعيل الأول من الصحفيين الكورد لم تكن سلعة في السوق الأقتصادية كما كانت في المجتمعات الرأسمالية و لم تكن محتكرة لأيديولوجية معينة كما كانت في مجتمعات المعسكر الشرقي، بل كانت صحافة ملتزمة، لقد ادرك القائمون على اصدار جريدة كوردستان و التي هي اول جريدة كوردية أهمية ان تكون الجريدة منبرا حرا و صوتا عقلانيا تعبر عن واقع الكورد و مشاريعه و تطلعاته القومية و الأجتماعية و هي بذلك ارست اسس مهمة جدا لبناء صحافة كوردية رصينة و ذات توجه مستقبلي و لذلك رات بأن ممارسة حق النقد بكل شفافية ووضوح من الحقوق الاساسية و الثابتة للصحفي و المحلل و الكاتب، ولذلك غدت الجريدة الكوردية صوتا حقيقيا للشعب الكوردي ومواقفه الوطنية والمبدئية، و ضمنت بذلك عملية التواصل مع كل بيت وشارع وكان لها نكهة ووقع خاص في القلوب والنفوس. و بما ان كوردستان كانت محتلة ومقسمة لذلك كانت الجريدة الكوردية بمختلف توجهاتها الفكرية و الأيديولوجية، سياسية بامتياز و طغت الصحافة الحزبية على الأشكال الأخرى و أعتبر العمل الصحافي وحتى عملية التوزيع جزء مهم وفعال في المسيرة النضالية لشعب كوردستان وكان الرفاق الحزبيون المكلفون بتوزيع الجريدة يشعرون بأنهم يؤدون عملا نضاليا كبيرا بسبب المخاطر الكبيرة الناتجة عن المراقبات الامنية الدائمة ولايخفى الامر على احد بإن العشرات من شبابنا تعرضوا للملاحقات الامنية وتعرضوا للاعتقال والتعذيب ومنهم من أمضى سنين طويلة من عمره وزهرة شبابه في السجون والمعتقلات بسبب "جريمة" اكتشاف الجريدة الحزبية لديهم من خلال الكبسات الامنية المفاجئة وبعضها كانت المغامرة تصل لحد ارسالها بشكل طرود وبوسائل عدة مترافقة مع الاهوال والمخاطر الكبيرة او من خلال نقلها بشكل شخصي من مدينة الى أخرى عن طريق المواصلات العامة والتي كانت وبحق اصعب من خوض المعارك في الجبهات بعشرات المرات. ولذلك كانت لها قيمة معنوية ونضالية كبيرة علاوة على تمتعها بالمصداقية والاحترام لدى جميع شرائح شعبنا وكان الذين يتطوعون للكتابة فيها جنود مجهولون لايعلم احدا عن كتاب هذه المقالات سوى اللجنة الضيقة المشرفة على تحرير الجريدة بسبب سريتها القصوى. وكانت تعبر بحق عن معاناة شعبنا نتيجة السياسات العنصرية والشوفينية تجاه شعبنا وقضيته العادلة وكانت تعبر في الوقت نفسه عن حقوقه المشروعة وطموحاته في الحياة الحرة الكريمة اسوة بباقي شعوب المنطقة، كما كانت اغلب الصحافة الكوردية تتنافس في تقديم مواضيع سياسية وفكرية وثقافية تحظى بالاهتمام والمناقشة ولاسيما لدى الاوساط والشرائح الثقافية المتنوعة في الفكر والتوجهات. وبالرغم من التطور الهائل في مجال التقنيات الحديثة وسهولة ايصال المعلومة والثورة الثقافية والمعرفية في جميع المجالات واختصار المسافات بين نقل الثقافات وتفاعلها معا فاننا نلاحظ الان بان الصحافة الكوردية والحزبية خاصة، ليست في المستوى المطلوب بل شهدت تراجعا كبيرا من حيث المواضيع المطروحة ومستواها الفكري والثقافي " آلا فيما ندر" وخرجت عن مسارها الصحيح من حيث التوظيف والأهداف إضافة إلى سيطرة الحالة الشللية على الصحافة الحزبية بالتوافق مع الحالة التكتلية التي اجتازت معظم احزاب حركتنا السياسية والبعض منهم استخدمها وسيلة للمكاسب الشخصية والمادية على حساب الجوهر والمضمون واعتبرها البعض الاخر ملكية خاصة ورثها عن جده الاول تخضع نشر اي مقال فيها للمزاجية والمصالح الشخصية ووسيلة لبناء علاقات اجتماعية محملا البعض افضاله عليهم في نشر مقال له هنا او هناك في ظل غياب معايير مهنية صحيحة لتبادل الاراء والافكار واحترام حرية التعبير والاختلاف. كل ذلك ادى الى تراجع واضح في مستوى ومضمون الجريدة الحزبية وعزوف الناس عن قراءتها ولاسيما التي يفترض انها تمثل آراء وتوجهات اغلبية مختلف شرائحنا الاجتماعية. أن الصحافة الكوردية تمر الان بأزمة خانقة جدا، ليس فقط بسبب تأثيرات الصحافة الالكترونية بل لان الصحافة قد خرجت عن مسارها الصحيح والسليم، المسار الحقيقي للصحافة الكوردية ينبغي ان يكون في خدمة و من أجل قضية شعب كوردستان وان تحترم و تحتضن الأفكار والمشاريع السياسية المختلفة وان تكون لسان حال امة بأكملها وان تحترم قواعدها و أخلاقياتها المهنية بحيث تكون بعيدة كل البعد عن حالات الأحتكار والمحسوبية وبذلك ستعود للصحافة الكوردية رونقها الأول و ستغدوا ثروة اجتماعية و معنوية كبيرة. الصحافة في مجتمع كمجتمعنا الكوردستاني هي حالة خاصة جدا، لاننا مازلنا نمر في مرحلة التحرر الوطني و في هذه الحالة ينبغي ان يتحرر العقل الكوردي اولا من كل مظاهر التبعية الثقافية و الفكرية و ان يعيد النظر في مفاهيمه و ممارسته و يقرأ نفسه قراءة نقدية منتجة و يعمل من اجل أعادة بناء هيكله بشكل علمي ومدروس وأن ينتج نموذجه الخاص والمعبر عن قضايا الوطن والشعب، لا ان يكون هذا العقل الذي يقود المؤسسة الصحفية والاعلامية وبالتالي الفكرية سببا في شقاق الامة وتوسيع الفجوة بين المنابر السياسية المختلفة.




