١٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

إيران ومرحلة ما بعد الانتخابات

المصدر: KDP.info

د. نزار خورشيد مامه

انتهت الانتخابات الإيرانية الثالثة عشر منذ تولي الثورة الإسلامية سدة الحكم في إيران، وتوضحت شخصية الرجل الذي سيقود البلاد للسنوات الخمس وربما العشر القادمة، وأصبحت الصورة واضحة للولايات المتحدة وحلفائها، المشاركين معها في المفاوضات النووية في جنيف.

وعلى الرغم من أن فوز الدكتور ابراهيم رئيسي كان أمراً شبه محسوم، بعد أن قامت لجنة صيانة الدستور باستبعاد ثلاثة من أبرز المنافسين المتوقعين له، وهم كل من الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد ورئيس البرلمان السابق علي أكبر ولايتي والنائب الأول للرئيس حسن روحاني الإصلاحي إسحاق جهانغيري، والذي كان، يحظى بدعمه الكامل الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، وقاد الى دعوة واسعة لمقاطعة الانتخابات ومن شرائح عديدة في المجتمع الايراني، بل إنها جاءت هذه المرة من جهات عرفت بولائها المطلق للمرشد الأعلى كأحمدي نجاد، الذي قال صراحة: بأنه غير مقتنع بهذه الإنتخابات، ولن يشارك فيها، كما طالب ولايتي لجنة صيانة الدستور: بكشف الأسباب التي جعلتها تمنع ترشحه للإنتخابات الرئاسية والأمر عينه حصل مع جهانغيري، حيث عبرا عن استيائهما وعدم رضاهم من عملية الاستبعاد.

وهذا ما يدفعنا الاعتقاد بأن هذه الانتخابات تختلف عن سابقاتها، وأنها تأتي في مرحلة مفصلية من تأريخ الجمهورية الإسلامية،  حسب رأي المراقبين والمحللين السياسيين، كونها تجري في وقت تشهد فيه الأوضاع السياسية في المنطقة توتراً كبيراً، تقف فيه القوى المتصارعة أمام مفترق طرق، فبعد تولي إدارة جو بايدن سدة الحكم في الولايات الأمريكية، تصوّر الكثيرون أن الأمور ستتغير بشكل سريع، وأن عودة الولايات المتحدة الى الاتفاق النووي مسألة وقت ليس أكثر، وأنه وبمجرد أن تبدأ المفاوضات بين الإتحاد الأوربي والولايات المتحدة من جهة والجمهورية الاسلامية من جهة أخرى، فإن العقوبات الإمريكية على الجمهورية الإسلامية سترفع، وسيزول الاحتقان والتوتر بين الطرفين، لكن ذلك لم يحصل، وسرعان ما واجهت المفاوضات موقفاً متشنجاً من الطرفين، تمثّل بالطلب الأمريكي وقف إيران لجميع أنشطتها النووية، كشرط لدخول المفاوضات، في حين اشترطت القيادة الإيرانية رفعاً كليّاً لجميع العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، لتبدأ التفاوض على وقف بعض نشاطاتها النووية، الأمر الذي جعل المفاوضات تراوح في مكانها. وإزاء هذا التباين الواضح والكبير في المواقف، اعتقد الكثير من المحللين والمراقبين للشأن الإيراني، أن المزيد من التوتر سيطفو على السطح. ولعل استمرار المفاوضات، وعدم توقفها حتى في اليوم الذي جرت فيه الانتخابات الايرانية إشارة واضحة من الإتحاد الأوربي الذي أصبح يلعب دور الوسيط أكثر من دور المفاوض، على أهمية هذه المفاوضات وتداعياتها الكبيرة على مستقبل المنطقة والعالم، يضاف لذلك تقدّم المرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي في العمر وتجاوزه الثمانين من عمره، وهو ما يمنح رئيس الجمهورية دوراً محورياً في اختيار خليفة للمرشد، ويبدو أن هذا الأمر تحديداً شكّل سبباً أساسيا في استبعاد المرشحين الثلاثة، واختيار سبعة مرشحين ثم إنسحاب ثلاثة منهم في مرحلة لاحقة، لضمان تحقيق رئيسي الفوز بالإنتخابات، يضاف لهذه الأسباب: الصراع القديم بين التيارين الإصلاحي من جهة والمتشدد من جهة أخرى، والذي بدأ يطفو على السطح ويأخذ بعداً استراتيجياً، فالمتشددون يرون أن المقاومة والمواجهة العسكرية، والإعتماد على النفس، ومحاولة تحسين وزيادة الناتج المحلي، وتحدي القوى الإمبريالية العالمية، وتعزيز عناصر المقاومة من خلال تغذية وتقوية بعض الفصائل العسكرية داخل إيران وخارجها، وإطاعة أوامر المرشد، والاستمرار على نهج قائد الثورة الايرانية الامام الخميني، وعدم الاعتماد بشكل كلي على المفاوضات، والاعتماد على البدائل،هي السبيل الوحيد لتحقيق النصر والخروج من حالة التدهور الاقتصادي الذي أصاب الكثير من مفاصل الدولة بالشلل، ناهيك عن العزلة الدولية التي تعيشها البلاد، وهي المبادئ التي أكد عليها الرئيس المنتخب في أول مؤتمر صحفي عقده، بعد فوزه بالانتخابات، في حين يرى الإصلاحيون أن الإنفتاح على المحيطين الإقليمي والعالمي عن طريق المفاوضات، والابتعاد عن المواجهات العسكرية، والتركيز على السياسة الداخلية، والابتعاد الى حد ما عن البعد الإقليمي، والتركيز على القضايا الداخلية، ومحاولة الوصول مع القوى العالمية الى نقطة إلتقاء واضحة، تحقّق فيها إيران الرخاء الاقتصادي، وتتخلص من العزلة الدولية المفروضة عليها، وترفع من خلالها المستوى المعاشي للفرد، تمثل السبيل الوحيد لكي تعود ايران الى ممارسة دورها في المنطقة.

ولعل هذا الاختلاف الواضح قد بدأ يطفو على السطح بشكل واضح، بعد أن كان مجرد شعارات انتخابية يعيشها الايرانيون في الأيام التي تسبق الانتخابات، التي كانت قد أصبحت وبمرور الوقت حدثاً إعتيادياً،لا يجد فيه المواطن إلا تغييراً في الأسماء فقط، من دون أن يحدث تأثيرا لا على السياسة الخارجية وطريقة تعاطي الدولة مع القضايا الدولية والإقليمية، ولا على أسلوب وطريقة تعامل الدولة مع المشاكل الداخلية، وسياساتها الاقتصادية والأمنية، وفي كل مرة كان الإصلاحيون يحاولون فيها تنفيذ شيء من وعودهم في تغيير الواقع، كانت هذه المحاولات تجد أمامها آلاف العقبات وتنتهي في النهاية الى طريق مسدود، ليبق الحال على ما هو عليه، وكان المواطن الإيراني وبعد كل انتخابات وعلى الرغم من الوعود الانتخابية الكثيرة، لا يجد أي تغير ملموس في مرافق حياته العامة، بسبب طريقة تعامل الحكومات الإيرانية المتعاقبة مع الشأن الداخلي، وتركيزها على السياسة الخارجية، ودعم بعض الاحزاب والميليشيات التي تدين بالولاء للجمهورية الاسلامية، وهكذا بقيت الدولة بكل مفاصلها تتبنى السياسات ذاتها سواء أكان الفائز في الإنتخابات ينتمي الى التيار الإصلاحي أو المتشدد.

وجميعنا يذكر موجة الفرح العارم التي شهدها الشارع الإيراني بعد فوز روحاني في انتخابات 2013، والتي مهدت الطريق أمامه لإكتساح منافسيه في انتخابات 2018، ولكنه لم يستطع تحقيق أي من الوعود الإنتخابية التي كان قد وعد بتنفيذها خلال حملته الإنتخابية، نتيجة الصراع بين الإصلاحيين والمتشددين من جهة، والعقوبات الأمريكية القاسية التي رافقت إنسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الإتفاق النووي، والتي أحدثت إنهياراً في الإقتصاد الإيراني، من خلال إنخفاض قيمة العملة ووصولها الى مستويات قياسية، يضاف لذلك إنتشار جائحة كورونا التي ألقت بظلالها على كل مفاصل الحياة وفي جميع دول العالم، وكانت إيران أكثر دول المنطقة تضرراً من هذه الجائحة.

أقول على الرغم من كل تلك الأسباب الموضوعية فإن حالة الإنتقاد الواضح لأداء الحكومة وكيفية إدارتها لأزماتها الداخلية والخارجية لم تتوقف، بل تزايدت وتيرتها بشكل لافت، الأمر الذي خلق جوّا من عدم الثقة لدى المواطن الإيراني بإمكانية تأثير الإنتخابات على واقع حياته اليومي، وهذا ما بدا واضحا من خلال الدعوات الكثيرة التي، انطلقت من شرائح مختلفة من فئات الشعب والمعارضة ودعت الى مقاطعة الانتخابات وإفشالها من خلال عدم المشاركة فيها، ولعل ذلك أشر بشكل واضح على نسبة المشاركة التي بلغت ٥٠٪ بالمئة حيث شارك ٢٨ مليونا من أصل ٥٩ مليون مواطنا يملك الحق في المشاركة، أعطى سبعة عشر مليون وثمانمئة الف منهم أصواتهم لرئيسي ليفوز، بنسبة ٦٢٪، وعلى الرغم من ان عددا من مراكز المعارضة قد شككت بهذه الارقام ورأت أن نسبة المشاركة أقل من ذلك بكثير فإن هذه النسبة تبقى محدودة ودون طموم القيادة السياسية التي حشدت كل طاقاتها لتحقيق مشاركة واسعة في عملية الاقتراع والتصويت.

وعلى الرغم من أن نتائج الانتخابات كانت محسومة بشكل كبير وكان فوز رئيسي مسألة وقت، الا أن بعض القوى العالمية كانت تمني النفس بفوز الإصلاحيين، علها تشهد تغييرا في سياسات ايران الخارجية، لكن يبدو ان القيادة الايرانية تعي جيدا أهمية هذه الانتخابات وخطورتها على مستقبل الدولة الايرانية ووجودها في المنطقة، وكانت قد تحسبت لذلك بشكل جيد ومنذ وقت مبكر، وهكذا جر ت الانتخابات من دون أي مفاجآت.

ولكن ما صدر من تصريحات دولية أعقبت فوز رئيسي في الإنتخابات الرئاسية يشير بما لا يدع للشك مجالاً أن القيادة الإيرانية الجديدة يجب أن تكون مدركة لخطورة الوضع الراهن،  على الصعيدين الداخلي والخارجي، وأنها مطالبة بإزالة المخاوف التي تكونت عند القوى السياسية الايرانية داخل إيران وخارجها، والقوى العالمية التي ترى أن انتخاب رئيسي من شأنه أن يزيد التوتر، في المنطقة، فهل سيخيب الرئيس الإيراني الجديد توقعات المراقبين؟ ويحدث تغييرا على السياستين الداخلية والخارجية، كما وعد في أول مؤتمر صحفي عقده بعد الانتخابات، أم ستكون هذه الانتخابات مجرد رقم جديد، ولن تختلف عن كل الانتخابات الايرانية السابقة؟

 

أخبار ذات صلة