تحليل: استقلال كردستان ضرورة تاريخية يعجّل تحقيقها الذهب الاسود

(انه الاقتصاد) مقولة تنطبق كثيرا على الحالة العراقية، فمع ازدياد صادرات النفط والتنبؤات ببلوغ العراق مستويات متقدمة في الانتاج، فان ذلك على ما يبدو سيسهم في الحيلولة دون تفاقم الخلاقات المتأججة الان بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان التي تتملكها حساسية مفرطة من هيمنة اخذة في التنامي من قبل الحكومة الاتحادية على القرارات. هذا ما كتبته صحيفة الديلي تلغراف الهولندية في عددها الصادر السبت، مشيرة الا ان هناك معادلة في طريقها الى نتائج حاسمة بسبب دخول عامل النفط فيها.
فمع تصدير العراق نحو 3 ملايين برميل يوميا ومع ارتفاع أسعار نفط متوقع، فان ذلك سيسهم كثيرا في اخماد نار الخلافات بين بغداد واربيل، وليس كما يتوقع البعض، لاسيما وان للكرد حصة من النفط تبلغ نحو 17 في المائة.
لكن زيادة واردات كردستان من النفط اذا ما خففت من الاحتقان السياسي على المدى القريب، فانها ستكون مدعاة للإحساس باستقلال اقتصادي ايضا، حيث تمتلىء الخزانة العامة بدولارات النفط، الذي سيصاحبه شعور بالقوة الاقتصادية مع تزايد فرص الاستثمار في كردستان وانخفاض معدلات البطالة وتنافس الدول على نيل الحظوة لدى بغداد واربيل على حد سواء وليس بغداد وحدها.
لكن الصحيفة تتساءل في هذا الصدد عن عدة سيناريوهات مستقبلية، من ضمنها ان ترضخ بغداد تحت تضخم واردات النفط بشكل كبير، الى ضم كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها الى اقليم كردستان والاستفادة الكاملة من خط أنابيب جيهان.
وبالرغم من ان البعض سيقابل هذا التكهن بالسخرية لان المسالة اكبر من قضية (نفط)، الا ان الذهب الاسود بحسب تجارب التاريخ، يجعل كل شيء ممكنا ولاسيما اذا ما نجح الاقليم في بناء بنية تحتية لتصدير المواد الهيدروكربونية الى الدول المجاورة.
ومن وجهة نظر خبراء الاقتصاد، فان أي ترف اقتصادي مقبل في كردستان وبقية مناطق العراق سيقابله اندفاع اكبر نحو التفاهم وليس العكس، لان تقاسم كعكة الذهب الاسود بطريقة عادلة سيؤجل اوجه الخلاف الاخرى ان لم يعطلها تماما.
التجارب الاقتصادية العالمية، تشير الى ان اقليم كردستان سينتزع استقلاله في يوم ما عن طريق الاقتصاد، الذي يشبه كرة ثلج متدحرجة تكبر من دون ان تثير حفيظة الدول المجاورة، ذلك ان نزوع كرد العراق الى السلام في حل القضايا الخلافية حتى ما يتعلق بكرد الدول الاخرى ولاسيما كرد تركيا، وتعزيز رصيد التفاهمات مع الدول المجاورة، متزامنا مع زيادة مداخيل النفط واستكشاف بؤر نفطية جديدة ستسهم في تعزيز الاقتصادين الكردستاني والاتحادي، وكل ذلك سيفرض على الدول المجاورة استقلالا لن يرى النور بقرار مفاجئ بل هو امر واقع وتحصيل حاصل ليس بإمكان احد انكاره طالما يصب في مصلحة بغداد وطهران وتركيا والدول الاخرى المجاورة والإقليمية ، لاسيما وان الاقليم بحسب جوناثان هيد من بي بي سي يسعى منذ اكثر من عقد لبناء استراتيجية ودية، تقوم في الاساس على المنفعة الاقتصادية قبل السياسية التي ستكون تحصيل حاصل للاتفاقيات الاقتصادية.
ان اقليم كردستان يخطو فعلا ، من دون ان يقصد الانفصال، نحو اكتفاء اقتصادي، واستقلالية ادارية، وعلاقات خارجية خاصة به لا تتعارض مع مفهوم الفيدرالية، غير ان هذا يُراقب بامتعاض وحذر من قبل قوميين متعصبين في تركيا والعراق وايران، يفسرون ما يحصل على انه متعارض مع (الوحدة التأريخية) في تلك الدول، لكنهم يعرفون ايضا ان افعالهم تتعارض مع واقع يفرض نفسه عبر حركة تاريخ لا يمكن ابقاف عجلته.
لكن الازدهار الاقتصادي والذهب الاسود سيغيران حتما فحوى الخطابات السياسية ويمحق الكراهية التاريخية وستكون تركيا المعارضة في الماضي لفكرة الاستقلال هي الأكثر احتمالا لدعم للفكرة، لأن كردستان سيكون ببساطة مصدرا للطاقة الرخيصة التي تغذي الاقتصاد.
لكن، الا يتعارض ذلك مع تجارب اخرى مثل السودان وصراع النفط بينما شماله وجنوبه الذي اصبح دولة مستقلة ؟
تشير الصحيفة الى ان الامر مختلف، فالنفط وحده هو الذي اوجد دولة الجنوب، بينما في العراق فان اقليم كردستان هو الذي اوجد النفط وكان الاقليم العامل الاكبر في اسقاط الدكتاتورية في العراق العام 003 ، ووصول العراق الى ما هو عليه من ديمقراطية واستثمار للثروة النفطية.
وعلى هذه الاساس لن يتوقع احد حربا بين بغداد واربيل بالرغم من التصريحات النارية، وان المعركة الكبرى حول المناطق المتنازع عليها ولاسيما تلك التي تتوفر فيها ابار النفط ستكون معارك باردة تفضي الى تفاهمات تعزز من استقلالية الاطراف المتنازعة.
واذا كان النزاع بين شمال السودان وجنوبه افضى الى حربين اهليتين، فان النزاع في العراق لن يكون مماثلا، لان المصالح الداخلية والإقليمية تحول دون ذلك، ولن يكون سوى حرب بادرة لن يسقط فيها قتلى.
ان زمن ( المشاعر القومية ) في الوحدة التي تبناها بعض العرب العراقيين لزمن طويل قد انتهت، وما يكفي اليوم هو ان يدرك العرب ان استقلال كردستان لن يؤثر فيهم اقتصاديا بل العكس هو الصحيح لان ذلك سيسهم في رفاه اقتصادي، فلم يعد احد يحتمل حروبا لاجل المشاعر تؤججها شعارات شوفينية، واذا كانت ثمة حرب ستحدث فانها لن تكون الا لدواع اقتصادية، وهذه الدواعي منفية في العراق وإقليم كردستان بسبب الثروة النفطية الهائلة التي تجعل من ابار المناطق المتنازع عليها جزء يسير من المجموع الخرافي للثروة.
ومن الامثلة التي ستعزز دور التفاهمات المستقبلية ان ينجح اقليم كردستان ايضا في بناء بنية تحتية تستثمر نفط الوسط والجنوب عبر التكرير والتصفية والتصنيع بغية تصديره الى دول العالم.
كما يمكن ان تكون انابيب النفط عبر كردستان الاكثر امانا تحت أي ظروف مستقبلية حرجة.
اضافة الى ذلك فان المشاريع الاقتصادية المشتركة، اذا كانت ستخلق مناطق نفوذ بينية، فانها في ذات الوقت تحقق الاستقلالية ليس لكردستان فحسب، بل لبغداد أيضا، ففي ظل اوضاع اقليمية متوترة فان تحقيق كردستان لاستقلاليته لن يكون اضعافا للعراق بقدر ما هو تعزيز لاستقلاليته ولاسيما ان رئيس حكومة الاقليم نيجرفان بارزاني، صرح بان إقليم كردستان يسعى لاستثمار ثرواته الطبيعية في إطار الدستور العراقي، ويريد استخدام هذه الثروة لخدمة التنمية والتطور في مختلف المجالات، وليس استخدامه في الصراعات والحروب.
ويبدو اليوم ان اقليم كردستان قادر على تشييد بنية اقتصادية بمفرده سيكون العراق صاحب المصلحة فيها ايضا، مع تزايد الدول التي تسعى للاستثمار هناك.
وليس ثمة حساسية بعد اليوم وفقا لمعطيات الثروة الجديدة ان يترافق الاستثمار السياسي مع استثمار أموال ضخمة وطائلة في تطوير حقول النفط في كردستان طالما ان ذلك يحقق الرفاه، ويبعد شبح احتكار ثروة النفط من قبل بغداد، وفي ذات الوقت، فان الدول لم تعد تتملكها فكرة أن يؤدي تقديم الدعم إلى الاقليم إلى إثارة حفيظة بغداد.
ذات يوم ات ، سيصوت فيه الكرد للاستقلال، لكن ذلك سوف لا يثير حفيظة احد لانه سيكون استقلالا فرضه الامر الواقع ليس على الدول المجاورة والاقليمية فحسب بل على الكرد انفسهم .




