أطفال العراق تشوهات خلقية وسرطانات والمتهم اليورانيوم

لميس فرحات
ايلاف – 20-12-2012 / صمتت أصوات المدافع في العراق منذ بضع سنوات، لكن آهات الألم ولوعةالآباء والأمهات في البصرة والفلوجة ما زالت مسموعة، والسبب هو الارتفاعالمخيف في حالات السرطان والتشوهات الخلقية التي يعتقد السكان أنها نتيجةأسلحة اليورانيوم التي استخدمتها الولايات المتحدة في العراق.
يعتقد عدد من الباحثين أن سكان البصرة والفلوجة محقين في اعتبارهم أنذخيرة اليورانيوم الأميركية هى السبب في ارتفاع أعداد المصابين بمرضالسرطان والتشوهات الخلقية لدى الأطفال حديثي الولادة. وأدت هذه المعاناةإلى مشاهد لا يمكن وصفها في القصص أو أفلام الرعب.
يتحدث العراقي عسكر بن سعيد عن مشاهد من تلك الصورة المأساوية واصفاًالأطفال الذين يعانون من تشوهات في أجسادهم، فوصفت مجلة "در شبيغل" الألمانية هذه الصور وكأنها اساطير يونانية لمخلوقات غير بشرية.
"إنها كائنات مشوهة، رأيتهم بعيني، أحدهم بعين واحدة، وآخر برأسين،وطفل لديه ما يشبه الذنب أسفل ظهره، وفتاة تعاني من التصاق في رجليها حتىبدت وكأنها نصف انسان ونصف سمكة، وفتى آخر سليم الجسد إنما بوجه قرد"، يقولبن سعيد واصفاً المآسي التي يشاهدها.
يحضر هؤلاء الأطفال إلى عسكر بن سعيد ليقوم بغسلهم وتكفينهم، ليدفنهمفي مقبرة سوداء تتازحم قبورها وسط الخراب، بعضها يحمل اسم الضحية وتاريخميلاده ووفاته، وفي كثير من الحالات لاوجود لتاريخ الميلاد. لكن التاريخغير مهم بالنسبة لهؤلاء الأطفال لأن تاريخ ميلادهم هو ذاته تاريخ وفاتهم.
تضم المقبرة آلاف القبور، يضاف إليها ما بين خمسة إلى عشرة جثة كليوم. ويحتار اهالي البصرة في تفسير السبب الكامن وراء ارتفاع أعداد الموتىوالتشوهات بين حديثي الولادة، إذ يقول بن سعيد: "لا يوجد سبب منطقي لارتفاعهذا العدد من الموتى بسبب التشوهات والامراض الغامضة".
إلا أن الباحثين قد يملكون بعض التفسيرات، فقد رصدت دراسة وردت بعددسبتمبر/أيلول الماضي لنشرة التلوث البيئي والتسمم – وهي مجلة علمية تصدر فيبلدة هايدلبرغ بجنوب غرب ألمانيا- زيادة بلغت سبعة مرات في تشوهاتالمواليد في البصرة من العام 1994 الى العام 2004 ، فمن بين كل ألف ولادة،يولد 23 طفلاً مصابين بتشوهات خلقية.
ورصدت حالات وأرقام مماثلة فى بلدة الفلوجة التي شهدت معارك ضارية عام2003، إذ تشير الدراسة إلى أن نسبة تركّز الرصاص في الأسنان اللبنية لدىالاطفال المرضى في البصرة تعادل ثلاثة أمثال النسبة لدى الأطفال في المناطقالتي لم يطلها القتال.
ويشار إلى أنه لم تسجل من قبل على الإطلاق تلك النسبة المرتفعة لمعدلالأنبوب الظهري (الظهر المفتوح) لدى الأطفال مثلما هي في البصرة اليوم،والأسوأ هو أن هذه النسبة في تزايد مستمر.
وتوصلت الدراسة الألمانية إلى أن نسبة المرضى المصابين بحالةهايدروسيفالوس (وجود مياه في محيط الدماغ) بين حديثي الولادة تبلغ ستةأمثال نظيرتها في الولايات المتحدة.
يقول جواد علي، المتخصص في معالجة أمراض السرطان في مستشفى الصدر فيبغداد، انه "منذ عام 1991، ارتفعت حالات الإصابة بمرض السرطان فجأة وبسرعةهائلة، حتى أن الإصابة بسرطان الكليتين والمعدة قد تزايدت بمقدار الضعفينأو ثلالثة أضعاف".
واشار إلى أن هناك عائلات بأكملها أصيبت بالسرطان، مشدداً على اعتقادهبأن هذا الأمر مرتبط بذخيرة اليورانيوم التي استخدمها الغرب في حربه علىالعراق. واضاف أن هناك صلة حتمية بين السرطان والإشعاع، وربما يستغرق الأمرمابين عشرة إلى عشرين عاماً قبل ظهور أعراض المرض.
مصطلح ذخيرة اليورانيوم يعني المقذوفات التي تتكون بمجملها أو في جزءمنها من اليورانيوم المستنفد أو اليورانيوم ضعيف الإشعاع ويرمز إليها ب( دييو) DU. وعند نشر الجنود الألمان في مهام خارج البلاد يتم تعليمهم أنذخيرة اليورانيوم هي المقذوفات الخارقة للدروع المحشوة باليورانيومالمستنفد، والتي لشدة كثافتها تعطي قوة دفع عالية للغاية للمقذوف، ممايمكنه من اختراق أي دروع للدبابات المقاتلة.
عندما تنفجر مقذوفات اليورانيوم، تخلف وراءها – مع الدمار الذي تسببه- غباراً نووياً خالصاً. وبطبيعة الحال، فإن الفوضى في البلاد وتجول الأطفالبجوار الدبابات المحطمة يؤدي إلى انتقال هذا الغبار وامتصاصه داخل بشرتهم،أو أنهم يستنشقوه من خلال جهازهم التنفسي أو يدخل أفواههم.
رصدت دراسة أخرى لجامعة بريمن عام 2002 بشمال ألمانيا حدوث تغيراتكروموزومية أثناء حرب الخليج لدى المحاربين الذين تعاملوا مع ذخيرةاليورانيوم.
وتشير وزارة الدفاع الالمانية إلى أن خطر الإصابة بالأمراض لا يأتي منالاشعاع نفسه بل من السمية الكيميائية لليورانيوم. وعلى الرغم من أنالجمعية الملكية البريطانية خلصت في دراسة لها عام 2002 حول الخطر المحتمللهذا السلاح - الى أن الاضرار الناجمة عن الاشعاع منخفضة للغاية مثلماالخطر الناجم عن السمية المزمنة للكلى بسبب غبار اليورانيوم - إلا ان تلكالدراسة لا تقنع سكان البصرة الذين يصفون مدينتهم بأنها مستودع قمامة مشع.
محمد حيدر، من سكان القبلة في البصرة يدخرمعظم موارده لعلاج ابنته (3أعوام) التي تعاني من شق بالعمود الفقري وهي إحدى الأعراض التي تدل علىالغصابة بمرض هايدروسيفالوس الذي يسبب تصريف السوائل من الدماغ.
استخدمت مقذوفات اليورانيوم مرتين فى البصرة، الأولى خارج المدينة فى حرب الخليج عام 1991 والثانية داخل المدينة في العام 2003.
وتشير خيرية أبو ياسين من مكتب البيئة في المدينة إلى أنه تم استخدامنحو 200 طن من ذخيرة اليورانيوم في البصرة، بينما تدعي وزارة الدفاعالبريطانية أنه تم استخدام طنين فقط من تلك الذخيرة خلال فترة الحرب. وظلحطام الدبابات المدمرة بتلك الذخيرة متناثراً في شوارع البلدة حتى العام2008 .
واعتبرت "در شبيغل" أنه من المستحيل إبعاد الأطفال عن الحطام رغم مابذله الأهالي من محاولة تعليم الأطفال عن مخاطر اقترابهم، ووضع لافتاتمكتوب عليها خطر الإشعاع. لكن صحيفة واحدة في الولايات المتحدة لم تكلفنفسها حتى الآن عناء الحديث عن هذه المشكلة.




