مصر ما بعد الثلاثين من يونيو

د. جيمس زغبي- جريدة القبس
بصرف النظر عن اتجاه تطور الاحداث بعد احتجاجاتالثلاثين من يونيو في مصر، يجب ايلاء الاهتمام للاوضاع القائمة هناك حاليا. فمصر تواجه ازمة اخطر من تلك التي أفضت الى سقوط نظام مبارك.
فخلال السنوات القليلة الماضية، ارتفعت اسعار الموادالغذائية والوقود الى مستويات قياسية، وزادت معدلات البطالة بحدة وارتفعتنسبة الجريمة ثلاثة اضعاف، فضلا عن ان السنة الماضية وحدها، شهدت اكثر من9500 تظاهرة في مختلف انحاء البلاد.
وهناك انقسام خطر بين المواطنين، الذين فقدت غالبيتهمالثقة بالحكومة ويتهمونها باستخدام وسائل غير دستورية لتعزيز قبضتها علىالسلطة، وقد فاقم الخطاب المتشنج والتحريضي الذي يطلقه كل من طرفي النزاع،حدة التوتر.
وعلى الرغم من مشكلة الشرعية الخطرة، التي يعانيهاالرئيس مرسي وحزبه، فانهما لم يتخذا اي خطوات نحو المصالحة الوطنية، وبدلامن ذلك، تم شن الهجمات ضد خصومهم وضد عدد من جمعيات المجتمع المدني.
مجموعات المعارضة، حديثة العهد بالسياسة وأضعف من انتجاري حركة الاخوان المسلمين المنظمة جيدا، على الرغم من انها تمثل غالبيةالشعب.
الجيش في مأزق
اما الجيش المصري فيجد نفسه في مأزق. فهو المؤسسة التيتحظى بالقدر الاكبر من ثقة الشعب، وفي الوقت الذي يخشى فيه الجيش من تصاعدالاحتجاجات وتحولها الى اعمال عنف وتعطيل الحياة العامة، يبدو انه مترددبالتدخل في الساحة السياسية حتى لا يخسر ثقة الناس، ولكنه وجه انذاراللطرفين (الحكومة والمعارضة) ودعاهما الى الحوار لحل الخلافات.
وفي خضم هذه الازمة اساءت الولايات المتحدة تقديرالموقف. اذ يرى كثير من المصريين ان واشنطن تنحاز لمصلحة الرئيس وحركةالاخوان المسلمين، وتدير ظهرها للاستياء الشعبي العام.
وسواء استمرت الاحتجاجات او ادت الى احداث عنفومصادمات، وسواء تدخل الجيش ام ظل على الحياد، فان هناك حقيقة واحدة واضحة،وهي أن كلا من طرفي الصراع الدائر في مصر، لديه جمهور انتخابي وحقائقسياسية يصعب تجاهلها. فحركة الإخوان المسلمين تظل المجموعة الأكثر تنظيماوانضباطا فيالبلاد، لكن المعارضة تحفزها المخاوف الحقيقية ومظالم غالبيةالسكان التي لا يمكن تجاهلها أيضا.
فرصة ذهبية
لقد أضاعت حركة الإخوان المسلمين فرصة ذهبية لتحقيقالنصر بعد الفوز الذي أحرزوه في الانتخابات البرلمانية من خلال إشراك جميعألوان الطيف السياسي بالحوار الوطني، وكان عليهم ألا ينكثوا بوعودهم بعدمخوض انتخابات الرئاسة. ومن ثم، وبعد أن فازوا بالرئاسة بفارق ضئيل، كانعليهم أن يدركوا أن عليهم كسب ثقة الطرف المهزوم، وأن يضمنوا إشراك جميعأطياف المجتمع في إعداد الدستور الجديد.
وبذلك، عملوا على استعداء نسبة كبيرة من الرأي العام، الذي عبّر عن مخاوفه من نية الرئيس مرسي إقامة نظام حكم ديني استبدادي.
لقد أصدرت السفيرة الأميركية في القاهرة بيانا رأت فيهالمعارضة تأييدا للرئيس مرسي، الأمر الذي وضع الولايات المتحدة في موقفحرج، كونها أظهرت - حتى ولو لم تقصد ذلك - انحيازا لطرف ضد الآخر.
لا أحد يعلم بنتائج الاحتجاجات، لكن حين ينجلي غبارها،سيظل هناك انقسام وستظل هناك تحديات اقتصادية كبيرة، كما ستظل هناك حاجةلحوار وطني للخروج من المأزق الراهن الذي تشهده مصر.
وليس من المؤكد ما إذا كانت القوات المسلحة ستلعب دورافي جمع الفرقاء أم لا، لكن هذا هو أفضل ما يأمل به الحريصون على أمنواستقرار مصر.
* رئيس المعهد العربي - الأميركي في واشنطن




