٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

حلب بين نار الفوضى ونداء العقل الكورد والتاريخ وامتحان الدولة السورية

المصدر: KDP.info

شَمال آكريي

شهدت مدينة حلب في الآونة الأخيرة أحداثا مقلقة، تمثلت في مداهمة قوات أحمد الشرع والموالين له للأحياء الكوردية، ولا سيما الشيخ مقصود والأشرفية، ما أعاد إلى الواجهة هواجس قديمة تتعلق بإمكانية انزلاق المدينة، وربما البلاد بأسرها، نحو توترات ذات طابع إثني. هذه الأحياء ليست استثناء في تاريخ حلب، ولا وجودها وليد اللحظة، بل هي امتداد طبيعي لحضور كوردي ضارب في عمق تاريخ المدينة، حيث سكنها الكورد منذ مئات السنين أبا عن جد، وأسهموا في صياغة ملامحها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

إن الوجود الكوردي في حلب يعود إلى عصور مبكرة، وتعزز بشكل واضح خلال الحقبة الأيوبية، حين لعب الكورد دورا محوريا في حماية المدينة وإدارتها، ثم استمر خلال العهد العثماني حيث اندمجوا في الحياة الحضرية وأسهموا في التجارة والحِرَف والإدارة والعسكر. ومع نشوء الدولة السورية الحديثة، لم يكن الكورد في حلب أو غيرها من المدن السورية جماعة هامشية، بل كانوا جزءا فاعلا من الحركة الوطنية، ومن مؤسسات الدولة، ومن النخب الثقافية والتعليمية. هذا التاريخ الطويل يجعل أي تعامل أمني أو إقصائي مع الأحياء الكوردية فعلا منفصلا عن الواقع التاريخي والاجتماعي لسوريا.

وفي خضم هذه التطورات، جرى اتصالان هاتفيان مهمّان؛ الأوّل كان يوم الجمعة، 9 كانون الثاني 2026، بين الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع والرئيس مسعود بارزاني، ليضع إطارا سياسيا واضحا لمعالجة الموقف. فقد جرى خلال الاتصال بحث آخر المستجدات السياسية في سوريا والتغيرات التي تشهدها المنطقة، وأكد الرئيس الشرع بوضوح أن الكورد يشكّلون مكوّنا أصيلا وأساسيا من الشعب السوري، وأن الدولة السورية ملتزمة التزاما كاملا بضمان حقوقهم الوطنية والسياسية والمدنية، إلى جانب حقوق باقي المكوّنات، على أساس المساواة ومن دون أي تمييز. هذا الموقف، إذا ما تُرجم عمليا، يشكّل قاعدة ضرورية لإعادة بناء الثقة وتهدئة المخاوف المتصاعدة.

من جانبه، عبّر الرئيس مسعود بارزاني عن تقديره لهذه الرؤية، وأكد دعمه لإرادة السوريين في بناء دولة جامعة، لا تقوم على منطق الغلبة أو الإقصاء، بل على الشراكة الحقيقية بين جميع المكوّنات. وشدد بارزاني على أهمية استمرار التشاور والتنسيق بما يخدم حماية السلم الأهلي، ويحول دون تحوّل الخلافات السياسية أو الأمنية إلى صراعات مجتمعية مفتوحة.

أما الاتصال الهاتفي الثاني، الذي جرى في اليوم نفسه بين الرئيس مسعود بارزاني والمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي لشؤون سوريا وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا، توم باراك، فقد أضفى بعدا إقليميا ودوليا على مساعي التهدئة. فقد شهد الاتصال تبادلا للآراء حول الأوضاع السياسية في سوريا والمنطقة، مع تركيز خاص على التوترات الجارية في مدينة حلب، حيث أكد الجانبان ضرورة بذل جميع الجهود الممكنة لاحتواء التصعيد، وإنهاء الاضطرابات والصدامات، والعمل على تطبيع الأوضاع واتخاذ خطوات جدّية تفضي إلى الأمن والاستقرار وتحقيق السلام.

إن الرسالة الأساسية التي يمكن استخلاصها من هذين الاتصالين تتمثل في التحذير الواضح من مخاطر الانجرار إلى صراعات إثنية، وما تحمله من تهديد مباشر لوحدة المجتمع السوري ومستقبل الدولة. فالتجربة السورية، كما تجارب المنطقة عموما، أثبتت أن تجاهل الحقوق، أو معالجة الأزمات بعقلية أمنية ضيقة، لا ينتج استقرارا، بل يؤسس لدورات جديدة من العنف والانقسام.

إن حلب، بما تمثله من رمز تاريخي للتعدد والتعايش، لا تحتمل مغامرات سياسية أو أمنية قصيرة النظر. والكورد، بتاريخهم العريق ودورهم المشهود في حلب وسائر المدن السورية، ليسوا طرفا طارئا أو قابلا للإقصاء، بل شركاء أصيلون في الأرض والتاريخ والمصير. وبين الوقائع الميدانية المقلقة، والمواقف السياسية الداعية إلى التهدئة، يبقى الامتحان الحقيقي في القدرة على ترجمة الأقوال إلى أفعال، وبناء دولة سورية جامعة تحمي التنوع بدل أن تحوّله إلى ساحة صراع.

 
 

أخبار ذات صلة