٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
الحزب الديمقراطي الكوردستانيالتجديد، العدالة، التعايش
آراء و تقارير

عادة الانفتاح الدولي على سوريا: الدوافع والتحديات، والآفاق المستقبلية

المصدر: KDP.info

غزالة خليل وضحي

تشهد الساحة الدولية تحركات مكثفة نحو إعادة بناء العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في المواقف الدولية والإقليمية تجاه دمشق. هذه التطورات جاءت نتيجة عوامل عديدة ترتبط بالأحداث الأخيرة في المنطقة وفي مقدمتها سقوط راس النظام في دمشق، واضعاف النفوذ الإقلیمی في المنطقة عبر اخراج الميليشيات الطائفية من سوريا واضعاف قوتهم العسكرية ومقتل اغلب القيادات البارزة في أعلى هرم هذه الميليشيات.

ان أبرز العوامل التي دفعت المجتمع الدولي لإعادة الانفتاح على سوريا، وتأثير هذه التحركات على إعادة الإستقرار في المنطقة، إضافة إلى التحديات والفرص المتعلقة بتحقيق التوافق الوطني وضمان مستقبل شامل لجميع مكونات الشعب السوري هی التغيرات الإقليمية والجيوسياسية حيث  شهدت المنطقة تطورات كبيرة ومفصلية، مما جعلت القوى الإقليمية والدولية تدرك أهمية إعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي، وتتوجه نحو استئناف هذه العلاقات بعد قطيعة دامت ثلاث عشرة سنة مع دمشق مما قد يساهم  في تعزيز الاستقرار في المنطقة إلى حدٍ كبير.

وقد برزت الحاجة إلى التفكير بجدية حول إعادة الاعمار وتأهيل البنية التحتية السورية لضمان عودة اللاجئين إلى بلادهم. حيث مع تزايد الضغوط على الدول المستضيفة للاجئين السوريين، سواءٌ الاقليمية منها ولاسيما تركيا التي تستضيف قرابة اربعة ملايين لاجئ سوري أو العراق وإقليم كوردستان أو لبنان والاردن او الدول الاوروبية وفي المقدمة منها المانيا التي استقبلت قرابة مليون لاجئ سوري.

كما أن حاجة سوريا الملحة لإعادة الإعمار بعد الخراب والدمار الذي حلَّ بالعديد من المدن والبلدات والقرى في جميع ارجاء سوريا، تجعل من الضروري إشراك العديد من الدول والشركات المحلية والاقليمية والدولية في المساهمة في مشاريع استثمارية واقتصادية تسهم في إنعاش الاقتصاد المحلي، وتشغيل الأيدي العاملة المحلية،  لتعود بالربح على هذه الشركات وعلى هذه الدول في الوقت نفسه، إضافة إلى إعادة الاستقرار الى سوريا.

وعودة حكومة تصريف الأعمال السورية إلى الساحة الدولية بعد الحد من سيطرة العديد من القوى الإقليمية والدولية عليها يمكن أن يساهم في  تعزز جهود مكافحة الإرهاب من قبل دول التحالف، ودفعها نحو تاسيس جبهة واسعة من حلفائها على الارض، وتوكيل مكافحة الارهاب اليها، مما قد يشجع القوى العالمية على دعمها.

الزيارات المكثفة للمسؤولين الإقليميين والدوليين إلى دمشق تعكس توجهات العديد من الدول على إمكانية إعادة النظر في علاقاتها السياسية مع دمشق بعد قطيعةٍ دامت اكثر من عقدٍ من الزمن، والتي من المتوقع أن تسهم في إعادة بناء الثقة، واللقاءات الثنائية والتعرف على الحكومة الجديدة في دمشق عن قرب  تمهد لإقامة شراكات جديدة وتجاوز الخلافات السابقة وإعادة العلاقات التي كانت شبه منقطعة مع النظام البائد، قد يساهم في ايجاد قواسم مشتركة مع الحكومة الجديدة وزرع بذور الثقة وتعزيز  الاستقرار السياسي في المنطقة و فتح مجالات للاستثمارات الدولية يمكن أن يكون خطوة رئيسية لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

هذه التحركات تعزز الجهود الدولية لدفع عملية السلام وإيجاد حلول دائمة للأزمة السورية بعيدا عن قعقعة السلاح، وإسالة المزيد من الدماء.

فالدعوات لإجراء مؤتمر وطني شامل تمثل خطوة إيجابية، إذا تم التحضير له بشكل جيد، وتم اختيار الأعضاء من جميع المكونات العرقية والدينية والطائفية لإيجاد شراكة حقيقية تمثل حقوق الجميع،  لكن تحقيق هذا التوافق بين جميع المكونات السورية يواجه العديد من التحديات، منها:

الموروثات السياسية كالانقسامات السياسية والعداوات التي ترسخت خلال السنوات الماضية والتي تجعل من الصعب تحقيق إجماع بين الأطراف المختلفة وكذلك المخاوف الأمنية حيث غياب الأمن في العديد من المناطق قد يعيق مشاركة بعض المكونات في العملية السياسية.

ان تأمين حقوق الأقليات والكف عن التهميش الذي عانت منه بعض المكونات، مثل الكورد، يتطلب ضمانات حقيقية لتعزيز مشاركتهم في صنع القرار السياسي، لكن التدخلات الخارجية للأطراف الدولية والإقليمية ذات المصالح المتضاربة قد تعرقل التوصل إلى اتفاق شامل.

الاستثمارات الدولية تمثل ركيزة أساسية لإعادة إعمار سوريا، حيث يمكن أن تساهم في إنعاش البنية التحتية وإعادة تأهيل المصانع المتضررة، الطرق، الكهرباء، المياه، والمدارس، التي تضررت بشكل كبير خلال الحرب. ما يتسبب في خلق فرص عمل وجذب الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة يمكن أن يوفر فرص عمل للسكان المحليين.

كذلك تعزيز القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم تحتاج إلى استثمارات كبيرة لاستعادة دورها في دعم الاستقرار الاجتماعي. وتنشيط السياحة جانب مهم حيث ان  سوريا تمتلك إرثاً ثقافياً غنياً يمكن أن يكون مصدراً مهماً للدخل القومي.

في الجانب الآخر والأهم هو معالجة مخاوف المكون الكوردي المكون الثاني في البلد وضمان مشاركته، فالمكون الكوردي في سوريا عانى من التهميش لعقود طويلة، مما يجعل من الضروري معالجة مخاوفه لضمان مشاركته في بناء مستقبل البلاد وذلك بالاعتراف بالحقوق الكوردية وتثبيتها في الدستور كحقوق دستورية لاتخضع الى صناديق الانتخاب على مبدأ الاكثرية والاقلية، وضمان هذه الحقوق في الدستور السوري الجديد وإشراك المناطق ذات الأغلبية الكوردية في عمليات التنمية الاقتصادية والاستفادة من ثروات البلاد يعزز الشراكة الوطنية وشعور الكورد بالانتماء الى هذا الوطن.

 كما انه من الضروري بل يجب منح الكورد تمثيلاً سياسياً فاعلاً في المؤسسات الحكومية يعكس حجمهم ودورهم في المجتمع السوري. وكذلك تفعيل الحوار وإشراك كافة مكونات المجتمع السوري في حوار شامل يضمن حقوق الجميع.

ختاماً نقول، أن التحركات الدولية نحو إعادة الانفتاح على سوريا تمثل فرصة لتحقيق الاستقرار في المنطقة وإعادة بناء علاقات دمشق مع جيرانها. إلا أن تحقيق توافق وطني شامل يتطلب جهوداً صادقة لتجاوز التحديات السياسية والأمنية، وضمان حقوق جميع المكونات، بما في ذلك المكون الكوردي وعلى الكورد في هذه المرحلة الإستفادة من الوضع الحالي والعمل سريعاً على رص الصف وتوحيد الخطاب السياسي، وأعتقد ان زيارة قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي الى الرئيس مسعود بارزاني ماهو إلاّ خطوة بهذا الإتجاه الذي نتمنى ان يفضي الى مصالحة كوردية كوردية أولاً ومن ثم الدخول في حوار ومفاوضات مع الحكومة السورية الجديدة بخطاب موحد لضمان الحقوق العادلة. 

إن إعادة إعمار سوريا لن تتحقق إلا بمشاركة الجميع ودعم المجتمع الدولي الذي يجب أن يتحمل مسؤوليته في تحقيق السلام والاستقرار.

أخبار ذات صلة